الشيخ أحمد بن علي البوني

515

شمس المعارف الكبرى

عليه من شرائعه ، ثم وعده القيام بالعمل ، ثم أخذه عن الشهوات أمانة وبره بروحه ، فيا له من البر والكرم ، وفي دار الآخرة فهي ممر برزخيته ، ودار رسمه في حواصل طيور خضر من الجنة ترتع في رياض الجنة إلى يوم البعث ، ثم بره بأن أحياه بعد موته بالبر الأعظم والرحمة الوافية ، ثم ثبته على الصراط المستقيم لئلا ينزل من هذا المطلع في النار بعد أن حصل الإيمان ، بإبداء السلام عن يمينه ، والقرآن أمامه والسنة حامله ، ثم بره بأن سقاه من حوض الحياة شربة لا يظمأ بعدها ، ثم بره بأن أدخله الجنة ومنّ عليه بالنظر إلى وجهه الكريم ، ثم بره بأن جعله في هذا النعيم من الخالدين إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ثم بره بأن أخدم له كلامه كما أخدم له في دار الدنيا الأكوان قال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ، فهذه جملة تصريف اللّه تعالى بلطفه وبره في خلقه وعباده المؤمنين . وروي عن الحسن بن علي أنه مكث مدة لا يأكل مع أمه فاطمة الزهراء فقالت له : لماذا يا ولدي ؟ فقال : أخشى أن يقع بصرك على شيء من الإناء وأسبقك عليه ولا أشعر به فأكون عاقا لك ، فقالت له : يا ولدي كل معي ، وأنت في حل من ذلك فامتثل أمرها . واعلم أن من بره لك أن جعلك شاهدا على الأمم يوم القيامة وستر قبائح فعلك عن الملائكة باستغفارك ، وينبغي للإنسان أن يبر جميع الخلق فيما يريدون منه خصوصا الفقراء والمساكين ، وأن تبر قلبك بالفكر والإخلاص ليكون ذلك سببا للكشف عن عجائب الملكوت ، فيكون ذلك دليل القرب ، وأن تبر نفسك بالمخالفات عن الشهوات والشبهات بأنواع الرياضات ليكون ذلك سبب معرفتك لربك ، لأن النفوس إذا بررتها بالأعمال الصالحة حتى يظهر لك أوصافها ، وذلك ما أشار به صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » ، وتبر روحك بالفكر ، والقيام بحقوق اللّه تعالى ، وكمال الفطرة بأداء الأمانة التي حملك اللّه تعالى بها ، وألزمك القيام بها إذ هي أصل الشرائع والأسماء ، فيكون ذلك سببا لكشف أسرار القدرة في أطوار الموجودات ، فتخرج عن رق الأكوان وظلمة الأجسام ، فعليك بترك المألوفات ، وما كان للنفس فيه أسرار لطيفة ، فإن ذلك من الخذلان ، ويبر العقل بتركه للأهواء والمخالفة فيما أمرك وتصفيته لفهم العلم ، وردعه بالحكم اللدنية والعلوم الباطنة والحقائق الإيمانية ، فيكون ذلك سببا لاستغراقه في بحار العظمة ، ومشاهدة الأسرار الإلهية ، ورجوعه إلى طهارته ، وأن تبر سرك بعدم التطلع لعثراته جملة وتفصيلا ، فيكون ذلك سببا للغنا في المناجاة ، ولذة المعاملات يعينها الوقت وخلاص السر . واعلم أن هذه أمهات الأعمال الظاهرة والباطنة ، فإن أنت بررت بهذه الأمهات كل اسم بما يليق بها من مقاماتها وسلوكها ، فإنك تدخل جنات معارفها ويظهر لك حقائق عوالمها ، فتكون في جنة عالية من الحكم الربانية . واعلم أن الجنة تحت أقدام الأمهات ، فهذه الأمهات الباقية بالنسبة الجنة الباقية ، وعليك بالسلوك في هذا الاسم بالتأديب مع والديك بظاهر الشرع ، وإياك والمخالفة لهما في باطن الأمر وظاهره ، وإن ذلك عند اللّه لعظيم القدر . وقد حكي عن أبي يزيد البسطامي رحمه اللّه تعالى أنه قال : كنت في ابتداء أمري وأنا صبي عمري عشر سنين ، وكنت لا أنام في الليل أبدا ، فأقسمت عليّ أمي ذات ليلة أن أبيت معها في الفراش ، فلم